المَخْلَعُ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ السَّقْفِ
المَخْلَعُ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ السَّقْفِ،
حِينَ فَتَحَ الإِيمَانُ طَرِيقًا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
لَيْسَتْ قِصَّةُ شِفَاءِ المَخْلَعِ الَّذِي حُمِلَ إِلَى يَسُوعَ فِي إِنْجِيلِ مَرْقُسَ (مَرْقُس ٢: ١–١٢) حَدَثًا طِبِّيًّا عَابِرًا فِي حَيَاةِ رَجُلٍ مَشْلُولٍ، بَلْ هِيَ مِنْ أَعْمَقِ الأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْشِفُ فِيهَا الإِنْجِيلُ سِرَّ العَلاَقَةِ بَيْنَ الخَطِيئَةِ وَالمَغْفِرَةِ، وَبَيْنَ العَجْزِ الإِنْسَانِيِّ وَالسُّلْطَانِ الإِلَهِيِّ الَّذِي ظَهَرَ فِي شَخْصِ يَسُوعَ. فَالإِنْجِيلُ يَصِفُ مَشْهَدًا يَبْدُو فِي ظَاهِرِهِ بَسِيطًا، لَكِنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ يَحْمِلُ بِنْيَةً رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً تَجْعَلُهُ وَاحِدًا مِنْ نُصُوصِ الإِعْلاَنِ العَظِيمِ عَنْ سُلْطَانِ المَسِيحِ.
يَقُولُ الإِنْجِيلُ: «وَكَانَ جَالِسِينَ هُنَاكَ قَوْمٌ مِنَ الكَتَبَةِ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ… فَقَالَ يَسُوعُ لِلْمَخْلَعِ، يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ» (مَرْقُس ٢: ٦–٥). هٰذِهِ الكَلِمَةُ هِيَ مِفْتَاحُ الحَدَثِ كُلِّهِ. فَيَسُوعُ لَمْ يَبْدَأْ بِشِفَاءِ الجَسَدِ، بَلْ بِمُعَالَجَةِ الجِذْرِ العَمِيقِ لِلإِنْسَانِ.
فِي الرُّؤْيَةِ الكِتَابِيَّةِ لَيْسَ المَرَضُ دَائِمًا عَقَابًا مُبَاشِرًا عَلَى الخَطِيئَةِ، لَكِنَّ الخَطِيئَةَ هِيَ الجُرْحُ الأَوَّلُ الَّذِي أَدْخَلَ الِانْكِسَارَ إِلَى الخَلِيقَةِ. لِذٰلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ: «بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الخَطِيئَةُ إِلَى العَالَمِ، وَبِالخَطِيئَةِ المَوْتُ» (رُومِيَة ٥: ١٢). وَهُنَا يَظْهَرُ أَمَامَنَا تَوَازُنٌ عَجِيبٌ، فَمَعَ الإِنْسَانِ الأَوَّلِ دَخَلَتِ الخَطِيئَةُ إِلَى التَّارِيخِ، أَمَّا مَعَ «ابْنِ الإِنْسَانِ» فَتَدْخُلُ إِلَى التَّارِيخِ قُوَّةُ المَغْفِرَةِ.
يَبْدَأُ الحَدَثُ فِي «بَيْتٍ» (مَرْقُس ٢: ١)، وَالبَيْتُ فِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ لَيْسَ مَكَانًا مَادِّيًّا فَقَطْ، بَلْ صُورَةٌ لِمَوْضِعِ حُضُورِ اللهِ. فَقَدْ كَانَ الهَيْكَلُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ يُدْعَى «بَيْتَ الرَّبِّ»،
"انما خير ورحمة يتبعانني جميع ايام حياتي، أَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ» (مَزْمُور ٢٣: ٦)، لِأَنَّهُ مَكَانُ حُضُورِ المَجْدِ الإِلَهِيِّ. لَكِنَّ الحَدَثَ الإِنْجِيلِيَّ يُشِيرُ إِلَى تَحَوُّلٍ لاهوتي عَظِيمٍ، فَحَيْثُ يَكُونُ المَسِيحُ، هُنَاكَ يُصبح البَيْتُ بَيْتَ اللهِ، لأَنَّ «الكَلِمَةَ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يُوحَنَّا ١: ١٤). وَكَأَنَّ الحَدَثَ يَقُولُ ضِمْنًا إِنَّ مَكَانَ حُضُورِ اللهِ لَمْ يَعُدْ فِي الحِجَارَةِ، بَلْ فِي شَخْصِ المَسِيحِ نَفْسِهِ.
إِلَّا أَنَّ البَيْتَ كَانَ مُمْتَلِئًا بِالنَّاسِ حَتَّى أُغْلِقَ الطَّرِيقُ (مَرْقُس ٢: ٢). وَهُنَا يَتَحَوَّلُ المَشْهَدُ إِلَى رَمْزٍ رُوحِيٍّ عَمِيقٍ، فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الَّذِينَ يَقِفُونَ قَرِيبًا مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ هُمْ أَنْفُسُهُمْ عَائِقًا أَمَامَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَى اللهِ. لِهٰذَا يَرَى الآبَاءُ
إِنَّ الجُمُوعَ الَّتِي مَلَأَتِ البَيْتَ وَمَنَعَتِ المُخَلَّعَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى يَسُوعَ تُشْبِهُ أَحْيَانًا البُنَى الدِّينِيَّةَ الَّتِي تَمْتَلِئُ بِالحُضُورِ لَكِنَّهَا قَدْ تَفْقِدُ الرُّوحَ.
يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ ازْدِحَامَ البَيْتِ يَرْمُزُ أَحْيَانًا إِلَى الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِالمَسِيحِ جَسَدِيًّا وَلَكِنَّهُمْ لَا يَفْتَحُونَ الطَّرِيقَ لِلنِّعْمَةِ. وَيُشِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ لِإِنْجِيلِ مَتَّى وَمَرْقُسَ إِلَى أَنَّ كَثِيرِينَ كَانُوا فِي البَيْتِ يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ، لَكِنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ ظَهَرَ عِنْدَ الَّذِينَ حَمَلُوا المُخَلَّعَ. لِذَلِكَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الحُضُورِ الجَسَدِيِّ وَالإِيمَانِ الحَيِّ.
أَمَّا القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أُسْقُفُ مِيلَانُو فَيَرَى فِي شَرْحِهِ لِلإِنْجِيلِ إِنَّ الجُمُوعَ الَّتِي تَسُدُّ الطَّرِيقَ قَدْ تَرْمُزُ إِلَى الَّذِينَ يَشْغَلُونَ المَكَانَ الدِّينِيَّ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْمَحُونَ لِلآخَرِينَ بِالوُصُولِ إِلَى المَسِيحِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْتَفِي بِالوُقُوفِ فِي الدَّاخِلِ، بَلْ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ لِلْخَلَاصِ.
فِي هٰذَا المَشْهَدِ يَظْهَرُ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ يَحْمِلُونَ المَخْلَعَ (مَرْقُس ٢: ٣). وَالرَّقْمُ أَرْبَعَةٌ فِي الرَّمْزِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ يُشِيرُ غَالِبًا إِلَى العَالَمِ كُلِّهِ, أَرْبَعُ جِهَاتِ الأَرْضِ وَالرِّيَاحِ الاربعة، "تَعَالَي أَيَّتُهَا الرِّيحُ مِنَ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ وَهُبِّي عَلَى هؤُلاَءِ الْقَتْلَى فَيَحْيَوْا.» (حز ٩،٣٧)، ويقول الانجيلي متى، «فَيُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا.» (٣١،٢٤َ) وكَأَنَّ الإِنْجِيلَ يُلَمِّحُ إِلَى أَنَّ الإِنْسَانَ العَاجِزَ عَنِ القِيَامِ لَا يُنْقِذُهُ جُهْدُهُ الذَّاتِيُّ وَحْدَهُ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَكْتَافِ إِيمَانِ الآخَرِينَ. لِذٰلِكَ لَمْ يَقُلِ النَّصُّ إِنَّ يَسُوعَ رَأَى إِيمَانَ المَخْلَعِ وَحْدَهُ، بَلْ «لَمَّا رَأَى إِيمَانَهُمْ» (مَرْقُس ٢: ٥). وَفِي هٰذَا تَظْهَرُ بَذْرَةُ الفِكْرِ الكَنَسِيِّ الَّذِي يَرَى فِي الإِيمَانِ حَقِيقَةً جَمَاعِيَّةً يَحْمِلُ فِيهَا القَوِيُّ الضَّعِيفَ. فَالإِنْسَانُ لَا يُخَلَّصُ وَحْدَهُ، بَلْ فِي جَسَدٍ رُوحِيٍّ وَاحِدٍ.
فِي الفِكْرِ اللاَّهُوتِيِّ المُعَاصِرِ، يَرَى نِيقُولاوُس تُومَاس رَايِت، اللاَّهُوتِيُّ البِرِيطَانِيُّ المُتَخَصِّصُ فِي دِرَاسَاتِ العَهْدِ الجَدِيدِ وَالتَّارِيخِ المَسِيحِيِّ المُبَكِّرِ، أَنَّ الرَّقْمَ أَرْبَعَةَ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ يَرْتَبِطُ غَالِبًا بِالرَّمْزِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ، أَيْ بِجِهَاتِ العَالَمِ الأَرْبَعِ. وَلِذٰلِكَ يُمْكِنُ قِرَاءَةُ هٰذَا الحَدَثِ كَصُورَةٍ لِعَمَلِ الخَلاَصِ الَّذِي يَجْمَعُ البَشَرَ مِنْ كُلِّ الأَرْضِ لِيَضَعَهُمْ أَمَامَ المَسِيحِ. فَالمُخَلَّعُ لَيْسَ شَخْصًا مُنْفَرِدًا فَحَسْبُ، بَلْ صُورَةٌ لِلإِنْسَانِيَّةِ المُثْقَلَةِ بِالعَجْزِ، الَّتِي تُحْمَلُ إِلَى يَسُوعَ عَبْرَ إِيمَانِ الآخَرِينَ.
مِنْ جِهَتِهِ يَرَى رُومَانُو غُوَارْدِينِي، اللاَّهُوتِيُّ وَالفَيْلَسُوفُ الإِيطَالِيُّ المُتَخَصِّصُ فِي اللاَّهُوتِ الرُّوحِيِّ وَفَلْسَفَةِ الدِّينِ، أَنَّ الرِّجَالَ الأَرْبَعَةَ يُمْكِنُ فَهْمُهُمْ رَمْزِيًّا كَصُورَةٍ لِلْقُوَى الرُّوحِيَّةِ الَّتِي تَرْفَعُ الإِنْسَانَ نَحْوَ اللهِ. فَالإِنْسَانُ، فِي نَظَرِ غُوَارْدِينِي، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْهَضَ مِنْ شَلَلِهِ الدَّاخِلِيِّ إِلَّا إِذَا حَمَلَتْهُ أَرْبَعُ قُوًى أَسَاسِيَّةٌ، الإِيمَانُ، وَالرَّجَاءُ، وَالمَحَبَّةُ، وَالشَّرِكَةُ الكَنَسِيَّةُ. وَهٰذِهِ القُوَى، عِنْدَمَا تَجْتَمِعُ، تَرْفَعُ الإِنْسَانَ فَوْقَ عَجْزِهِ وَتَفْتَحُ لَهُ الطَّرِيقَ نَحْوَ المَسِيحِ، تَمَامًا كَمَا فُتِحَ السَّقْفُ أَمَامَ المُخَلَّعِ.
وَيُضِيفُ رَايِمُونْد بْرَاوْن، الكَاهِنُ وَاللاَّهُوتِيُّ الأَمْرِيكِيُّ المُتَخَصِّصُ فِي الدِّرَاسَاتِ الكِتَابِيَّةِ لِلْعَهْدِ الجَدِيدِ، في قِرَاءَةً رَسُولِيَّةً لِلنَّصِّ، يَرَى أَنَّ الرِّجَالَ الأَرْبَعَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزُوا إِلَى خِدْمَةِ الكِرَازَةِ الَّتِي تَحْمِلُ الإِنْسَانَ إِلَى المَسِيحِ. فَالمُبَشِّرُ الحَقِيقِيُّ لا يَقِفُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالرَّبِّ، بَلْ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ. وَهٰكَذَا يُصْبِحُ هٰذَا المَشْهَدُ الإِنْجِيلِيُّ صُورَةً حَيَّةً لِلرِّسَالَةِ الكَنَسِيَّةِ الَّتِي تَقُودُ البَشَرَ إِلَى اللِّقَاءِ بِالمَسِيحِ، حَيْثُ يَبْدَأُ الشِّفَاءُ الحَقِيقِيُّ أَوَّلًا بِغُفْرَانِ الخَطَايَا قَبْلَ شِفَاءِ الجَسَدِ.
وَهٰكَذَا تَكْشِفُ القِرَاءَةُ اللاَّهُوتِيَّةُ لِهٰذَا التَّفْصِيلِ الإِنْجِيلِيِّ أَنَّ الرِّجَالَ الأَرْبَعَةَ لَيْسُوا مُجَرَّدَ شُهُودٍ صَامِتِينَ عَلَى مُعْجِزَةٍ، بَلْ هُمْ رَمْزٌ حَيٌّ لِمَسِيرَةِ الإِيمَانِ. إِنَّهُمْ صُورَةٌ لِلْكَنِيسَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أَبْنَاءَهَا، وَصُورَةٌ لِلْعَالَمِ الَّذِي يَتَّجِهُ نَحْوَ الخَلاَصِ، وَصُورَةٌ لِلْفَضَائِلِ الَّتِي تَرْفَعُ الإِنْسَانَ، وَصُورَةٌ لِلْكِرَازَةِ الَّتِي تَقُودُ البَشَرِيَّةَ إِلَى المَسِيحِ. وَلِذٰلِكَ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ فِي النَّصِّ عَنْ قُدْرَةِ المُخَلَّعِ عَلَى السَّيْرِ، بَلْ عَنْ وُجُودِ مَنْ يَحْمِلُونَهُ. لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَسْقُطُ فِي العَجْزِ، لَكِنَّهُ لا يُشْفَى إِلَّا عِنْدَمَا يَجِدُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَيَحْمِلُهُ إِلَى يَسُوعَ.
وَحِينَ لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا لِلدُّخُولِ، صَعِدُوا إِلَى السَّقْفِ وَنَقَبُوهُ (مَرْقُس ٢: ٤). إِنَّ السَّقْفَ فِي الرَّمْزِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ يُمَثِّلُ الحَدَّ الفَاصِلَ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَفِي العَهْدِ القَدِيمِ كَانَتِ السَّمَاءُ تَبْدُو كَأَنَّهَا مُغْلَقَةٌ بَعْدَ السُّقُوطِ، لِذٰلِكَ يَصْرُخُ النَّبِيُّ: «لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ» (إِشَعْيَاء ٦٤: ١). لَكِنَّ الحَدَثَ الإِنْجِيلِيَّ يَعْكِسُ الصُّورَةَ، فَالإِنْسَانُ هُنَا هُوَ الَّذِي يَشُقُّ السَّقْفَ لِيَصِلَ إِلَى المَسِيحِ. وَكَأَنَّ هٰذَا الفِعْلَ يَرْمُزُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ الصَّادِقَ يَخْتَرِقُ كُلَّ الحَوَاجِزِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَاللهِ.
وَحِينَ نُزِّلَ المَخْلَعُ أَمَامَ يَسُوعَ، قَالَ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ: «مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». وَهُنَا احْتَجَّ الكَتَبَةُ فِي قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ مَغْفِرَةَ الخَطَايَا هِيَ مِنْ عَمَلِ اللهِ وَحْدَهُ (إِشَعْيَاء ٤٣: ٢٥). وَكَانُوا مُحِقِّينَ فِي المَبْدَإِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا أَنَّ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُمْ هُوَ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ. فَالأنْبِيَاءُ كَانُوا يَقُولُونَ: «هٰكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ»، أَمَّا يَسُوعُ فَيَقُولُ بِسُلْطَانٍ مُبَاشِرٍ: «أَنَا أَقُولُ لَكَ قُمْ». وَهُنَا يَتَجَلَّى الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ النَّبِيِّ الَّذِي يَنْقُلُ كَلِمَةَ اللهِ، وَبَيْنَ الكَلِمَةِ الَّذِي هُوَ اللهُ نَفْسُهُ.
فَكَلِمَةُ يَسُوعَ تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا قُوَّةَ الخَلْقِ. فَكَمَا قَالَ اللهُ فِي البِدَايَةِ: «لِيَكُنْ نُورٌ فَكَانَ نُورٌ» (تَكْوِين ١: ٣)، هٰكَذَا يَقُولُ يَسُوعُ: «قُمْ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ» (مَرْقُس ٢: ١١). إِنَّهَا الكَلِمَةُ الخَالِقَةُ ذَاتُهَا، لٰكِنَّهَا تَعْمَلُ هُنَا فِي إِعَادَةِ خَلْقِ الإِنْسَانِ.
عِنْدَمَا اقْتَرَبَ المُخَلَّعُ مِنْ يَسُوعَ بَعْدَ أَنْ نَزَّلَهُ رِفَاقُهُ مِنَ السَّقْفِ، لَمْ يَبْدَأِ الرَّبُّ كَلَامَهُ مَعَهُ بِأَمْرٍ بِالشِّفَاءِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَوَّلًا إِلَى جَسَدِهِ العَاجِزِ، بَلْ تَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً إِلَى قَلْبِهِ قَائِلًا: «يَا ابْنِي، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ» (مَرْقُس ٢: ٥). هٰذِهِ الكَلِمَةُ القَصِيرَةُ «ابْنِي» تَحْمِلُ فِي عُمْقِهَا لَاهُوتًا كَامِلًا عَنْ عَلاقَةِ الإِنْسَانِ بِاللهِ. فَالمَسِيحُ لَمْ يَرَ فِي ذٰلِكَ الرَّجُلِ مُجَرَّدَ مَرِيضٍ يَحْتَاجُ إِلَى عَافِيَةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ إِنْسَانًا ضَائِعًا يَحْتَاجُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى أَنْ يَسْتَعِيدَ هُوِيَّتَهُ الحَقِيقِيَّةَ، هُوَ ابْنٌ لِلَّهِ.
إِنَّ كَلِمَةَ «يَا ابْنِي» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَعْبِيرٍ عَاطِفِيٍّ، بَلْ إِعْلَانٌ عَمِيقٌ. فَقَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الجَسَدَ، أَعَادَ يَسُوعُ لِهٰذَا الإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ البُنُوِيَّةَ. فَالخَطِيئَةُ، فِي الفِكْرِ الكِتَابِيِّ، لَا تَعْنِي فَقَطِ ارْتِكَابَ خَطَأٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ تَعْنِي قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ انْكِسَارَ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَأَبِيهِ السَّمَاوِيِّ. «فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلٰهِ فِي وَسْطِ شَجَرِ الجَنَّةِ» (تَكْوِين ٣: ٨).
فَالِاخْتِبَاءُ هُنَا، بِحَسَبِ المُفَسِّرِينَ، يُعَبِّرُ عَنْ اِنْكِسَارِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَاللهِ. البَابَا
يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي فِي تَعْلِيمِهِ حَوْلَ الخَطِيئَةِ يَرَى أَنَّ الخَطِيئَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُخَالَفَةٍ لِقَانُونٍ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ هِيَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ قَطْعُ العَلاقَةِ البُنُوِيَّةِ مَعَ اللهِ. وَلِهٰذَا يَبْدَأُ يَسُوعُ لِقَاءَهُ مَعَ المُخَلَّعِ بِإِعَادَةِ تَرْمِيمِ العَلاقَةِ المَكْسُورَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالخَالِقِ، لِذٰلِكَ لَمْ يُخَاطِبْهُ بِصِفَتِهِ مَرِيضًا أَوْ عَاجِزًا، بَلْ نَادَاهُ قَائِلًا: «يَا ابْنِي»، وَكَأَنَّهُ يُعِيدُ إِلَيْهِ بُنُوَّتَهُ الضَّائِعَةَ قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهِ عَافِيَتَهُ، لِأَنَّ المَسِيحَ أَرَادَ أَنْ يُعْلِنَ أَنَّ الشِّفَاءَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ عِنْدَمَا يَسْتَعِيدُ الإِنْسَانُ عَلاقَتَهُ كَابْنٍ لِلَّهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعِيدَ قُدْرَتَهُ عَلَى السَّيْرِ. لِذٰلِكَ يَبْدَأُ يَسُوعُ بِالمَغْفِرَةِ، لِأَنَّ الشِّفَاءَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ، فَالإِنْسَانُ قَدْ يَقُومُ جَسَدِيًّا وَيَبْقَى مَكْسُورًا فِي قَلْبِهِ، لَكِنْ عِنْدَمَا تُغْفَرُ خَطَايَاهُ، يُعَادُ إِلَيْهِ السَّلاَمُ الَّذِي يَسْبِقُ كُلَّ شِفَاءٍ.
وَلِهٰذَا لَمْ تَكُنْ صَدْمَةُ الكَتَبَةِ بِسَبَبِ كَلِمَةِ الشِّفَاءِ، بَلْ بِسَبَبِ كَلِمَةِ المَغْفِرَةِ. فَقَدْ فَهِمُوا فَوْرًا أَنَّ يَسُوعَ يَتَكَلَّمُ بِسُلْطَانٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ البَشَرِ، فَقَالُوا فِي قُلُوبِهِمْ: «مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ؟» (مَرْقُس ٢: ٧). كَانُوا يُدْرِكُونَ أَنَّ المَغْفِرَةَ لَيْسَتْ عَمَلًا نَبَوِيًّا أَوْ تَعْزِيَةً رُوحِيَّةً، بَلْ فِعْلٌ إِلَهِيٌّ خَالِصٌ. وَهُنَا تَكْشِفُ الحَادِثَةُ عَنْ سِرِّ شَخْصِ يَسُوعَ، إِنَّهُ لا يُعْلِنُ فَقَطْ رَحْمَةَ اللهِ، بَلْ يُمَارِسُ سُلْطَانَ اللهِ نَفْسَهُ.
يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ في المشهد، أَنَّ المَسِيحَ بَدَأَ بِالمَغْفِرَةِ لِيَكْشِفَ أَنَّ جَذْرَ المَرَضِ أَعْمَقُ مِنَ الجَسَدِ المكسور، وَأَنَّ الشِّفَاءَ الجَسَدِيَّ لَيْسَ إِلَّا عَلاَمَةً مَرْئِيَّةً عَلَى الشِّفَاءِ الدَّاخِلِيِّ.
أَمَّا القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوس فَيَرَى فِي كَلِمَةِ «يَا ابْنِي» عَوْدَةَ الإِنْسَانِ إِلَى الحَالَةِ الَّتِي خَسِرَهَا آدَمُ. فَالإِنْسَانُ الَّذِي سَقَطَ فِي الخَطِيئَةِ فَقَدَ شُعُورَهُ بِالبُنُوَّةِ، لَكِنَّ المَسِيحَ جَاءَ لِيُعِيدَ هٰذِهِ البُنُوَّةَ الضَّائِعَةَ، وَلِذٰلِكَ يَبْدَأُ الخَلاَصُ دَائِمًا بِنِدَاءِ الأَبِ لِابْنِهِ.
وَهٰكَذَا تَتَحَوَّلُ لَحْظَةُ اللِّقَاءِ بَيْنَ يَسُوعَ وَالمُخَلَّعِ إِلَى مَشْهَدٍ مؤثر، جَاءَ الرَّجُلُ إِلَى البَيْتِ مَحْمُولًا عَلَى أَكْتَافِ البَشَرِ، عَاجِزًا عَنِ السَّيْرِ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا الْتَقَى بِالمَسِيحِ لَمْ يَنَلْ فَقَطِ القُدْرَةَ عَلَى المَشْيِ، بَلْ نَالَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذٰلِكَ بِكَثِيرٍ، اِسْتَعَادَ اسْمَهُ الحَقِيقِيَّ فِي قَلْبِ اللهِ ابْنًا مَحْبُوبًا. فَفِي نَظَرِ يَسُوعَ، الشِّفَاءُ الحَقِيقِيُّ لا يَبْدَأُ عِنْدَمَا تَقْوَى الأَقْدَامُ، بَلْ عِنْدَمَا يَسْمَعُ الإِنْسَانُ فِي أَعْمَاقِهِ صَوْتَ اللهِ يَقُولُ لَهُ، "يَا ابْنِي."
وَفِي نِهَايَةِ المَشْهَدِ يَقُومُ المَخْلَعُ وَيَحْمِلُ سَرِيرَهُ. وَهُنَا يَحْدُثُ الانْقِلَابُ الرَّمْزِيُّ العَمِيقُ، فَالسَّرِيرُ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ الإِنْسَانَ أَصْبَحَ الإِنْسَانُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ. وَكَأَنَّ الإِنْجِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ النِّعْمَةَ لَا تُزِيلُ الضَّعْفَ فَقَطْ، بَلْ تُحَوِّلُهُ إِلَى شَهَادَةٍ.
فَالمَخْلَعُ لَمْ يَخْرُجْ فَقَطْ مَاشِيًا، بَلْ خَرَجَ حَامِلًا مَا كَانَ يُقَيِّدُهُ. وَفِي هٰذَا تَظْهَرُ حَقِيقَةُ الخَلاَصِ المَسِيحِيِّ، فَالمَسِيحُ لَا يُصْلِحُ الإِنْسَانَ ظَاهِرِيًّا فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ خَلْقَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
تَوَقَّفَ عَدَدٌ مِنَ الفَلَاسِفَةِ وَالمُفَكِّرِينَ المَسِيحِيِّينَ عِنْدَ المَشْهَدِ، وكلمة يسوع: «قُمْ، اِحْمِلْ فِرَاشَكَ وَامْشِ» (مَرْقُس ٢: ١١)، وَرَأَوْا فِيهِا تَحَوُّلًا رَمْزِيًّا عَمِيقًا مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ يُحْمَلُ إِلَى إِنْسَانٍ أَصْبَحَ هُوَ حَامِلًا. فَالمُعْجِزَةُ فِي نَظَرِهِمْ لا تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِشِفَاءِ الجَسَدِ، بَلْ بِتَحَوُّلِ الكِيَانِ الإِنْسَانِيِّ مِنَ العَجْزِ إِلَى الفِعْلِ، وَمِنَ الِاتِّكَالِ إِلَى المَسْؤُولِيَّةِ، في هذا السياق
يرى القديس تومَا الأَكْوِينِيّ، أَنَّ هٰذَا التَّحَوُّلَ يَكْشِفُ عَنْ طَبِيعَةِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتِي لا تُعِيدُ الإِنْسَانَ فَقَطْ إِلَى حَالَتِهِ الأُولَى، بَلْ تَرْفَعُهُ إِلَى قُدْرَةٍ جَدِيدَةٍ. فَالإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ يُحْمَلُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ السَّيْرِ، صَارَ بَعْدَ الشِّفَاءِ قَادِرًا عَلَى حَمْلِ الفِرَاشِ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّ المَسِيحَ يُعْلِنُ أَنَّ النِّعْمَةَ لا تُزِيلُ الضَّعْفَ فَقَطْ، بَلْ تَمْنَحُ الإِنْسَانَ قُدْرَةً تَفُوقُ ضَعْفَهُ السَّابِقَ. وَلِذٰلِكَ يَرَى الأَكْوِينِيُّ أَنَّ حَمْلَ الفِرَاشِ هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي نَالَ المَغْفِرَةَ أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى ضَبْطِ حَيَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ تَضْبِطُهُ.
وَفِي الفِكْرِ المَسِيحِيِّ الحَدِيثِ، يَرَى رُومَانُو غُوَارْدِينِي، الفَيْلَسُوفُ وَاللَّاهُوتِيُّ الإِيطَالِيُّ أَنَّ هٰذِهِ الحَرَكَةَ الرَّمْزِيَّةَ تُعَبِّرُ عَنْ تَحَوُّلٍ وُجُودِيٍّ فِي الإِنْسَانِ. فَالإِنْسَانُ قَبْلَ اللِّقَاءِ بِالمَسِيحِ يَعِيشُ غَالِبًا فِي حَالَةٍ مِنَ السَّلْبِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، مَحْمُولًا بِثِقَلِ العَالَمِ أَوْ بِثِقَلِ خَطَايَاهُ، لَكِنَّهُ عِنْدَمَا يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَوْضُوعٍ يُحْمَلُ إِلَى شَخْصٍ قَادِرٍ عَلَى الفِعْلِ. وَلِذٰلِكَ يُصْبِحُ حَمْلُ الفِرَاشِ عَلَامَةً عَلَى اسْتِعَادَةِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ مَوْضُوعَ شَفَقَةِ الآخَرِينَ صَارَ فَاعِلًا فِي حَيَاتِهِ.
فالمُعْجِزَةَ لَمْ تُحَوِّلِ المُخَلَّعَ فَقَطْ مِنْ مَرِيضٍ إِلَى صَحِيحٍ، بَلْ حَوَّلَتْهُ مِنْ إِنْسَانٍ مَحْمُولٍ إِلَى إِنْسَانٍ حَامِلٍ. فَالمَسِيحُ لا يَكْتَفِي بِأَنْ يَرْفَعَ الإِنْسَانَ مِنْ ضَعْفِهِ، بَلْ يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى حَمْلِ حَيَاتِهِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ. وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ لَحْظَةَ حَمْلِ الفِرَاشِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَفْصِيلٍ فِي المُعْجِزَةِ، بَلْ هِيَ إِعْلَانٌ رَمْزِيٌّ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَلْتَقِي بِالمَسِيحِ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالَةِ العَجْزِ إِلَى حَالَةِ الفِعْلِ، وَمِنْ حَالَةِ الِاتِّكَالِ إِلَى حَالَةِ المُشَارَكَةِ فِي صُنْعِ حَيَاتِهِ
لِذٰلِكَ خَتَمَ يَسُوعُ الحَدَثَ بِإِعْلَانٍ لاهُوتِيٍّ عَظِيمٍ:
«لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لِابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا» (مَرْقُس ٢: ١٠).
فَفِي البِدَايَةِ دَخَلَتِ الخَطِيئَةُ إِلَى العَالَمِ بِالإِنْسَانِ الأَوَّلِ، أَمَّا فِي المَسِيحِ ابْنِ الإِنْسَانِ فَيَدْخُلُ إِلَى التَّارِيخِ عَهْدُ المَغْفِرَةِ. وَهُنَا تَصِيرُ الأُعْجُوبَةُ أَكْثَرَ مِنْ شِفَاءٍ: إِنَّهَا إِعْلاَنٌ عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ نَفْسِهِ.
فَلَيْسَ أَحَدٌ فِي التَّارِيخِ تَكَلَّمَ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ إِلَّا هُوَ، لأَنَّ الأَنْبِيَاءَ كَانُوا فَمَ اللهِ، أَمَّا هُوَ فَهُوَ كَلِمَةُ اللهِ. وَحِينَ نَطَقَ، لَمْ يَكُنْ يُعْلِنُ إِرَادَةَ اللهِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُظْهِرُ سُلْطَانَ اللهِ الحَيِّ فِي التَّارِيخِ.
وَهٰكَذَا لَا تَنْتَهِي قِصَّةُ المَخْلَعِ عِنْدَ حَدِّ مُعْجِزَةٍ جَسَدِيَّةٍ أَعَادَتْ إِلَى رَجُلٍ قُدْرَتَهُ عَلَى المَشْيِ، بَلْ تَبْدَأُ مِنْهَا رِحْلَةُ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِمَا أَرَادَ المَسِيحُ أَنْ يُعْلِنَهُ فِي ذٰلِكَ البَيْتِ المُكْتَظِّ، وَفِي ذٰلِكَ السَّقْفِ المَفْتُوحِ، وَفِي ذٰلِكَ الجَسَدِ المُنْهَكِ الَّذِي وُضِعَ أَمَامَهُ كَسُؤَالٍ إِنْسَانِيٍّ كَبِيرٍ. فَالمَشْهَدُ كُلُّهُ يَقُودُنَا إِلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُشْفَى حَقًّا عِنْدَمَا تَتَحَرَّرُ أَعْصَابُهُ فَقَطْ، بَلْ عِنْدَمَا تُفْتَحُ أَعْمَاقُهُ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ، وَعِنْدَمَا يَسْمَعُ فِي قَلْبِ انْكِسَارِهِ كَلِمَةَ الرَّبِّ تُعِيدُ تَسْمِيَتَهُ مِنْ جَدِيدٍ: «يَا ابْنِي».
فِي هٰذَا الإِنْجِيلِ لَا يَظْهَرُ المَسِيحُ كَصَاحِبِ قُوَّةٍ تُدْهِشُ الجُمُوعَ فَحَسْبُ، بَلْ كَرَبٍّ يَدْخُلُ إِلَى الجِذْرِ الدَّفِينِ لِمَأْسَاةِ الإِنْسَانِ. فَهُوَ لَا يَعْتَبِرُ أَنَّ أَعْظَمَ مَا فِي المَخْلَعِ هُوَ شَلَلُ أَعْضَائِهِ، بَلْ جُرْحُ بَاطِنِهِ، وَلَا يَرَى أَنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُهُ هُوَ عَجْزُهُ عَنِ الحَرَكَةِ، بَلْ انْقِطَاعُهُ عَنْ يَنْبُوعِ الحَيَاةِ. لِذٰلِكَ بَدَأَ بِالمَغْفِرَةِ، لِأَنَّ المَغْفِرَةَ فِي مَنْطِقِ الإِنْجِيلِ لَيْسَتْ تَرْتِيبًا ثَانَوِيًّا بَعْدَ الشِّفَاءِ، بَلْ هِيَ الشِّفَاءُ الأَوَّلُ، وَهِيَ المِفْتَاحُ الَّذِي يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِلَى اللهِ، وَإِلَى العَالَمِ.
وَمِنْ هُنَا تَبْلُغُ القِصَّةُ ذِرْوَتَهَا اللاَّهُوتِيَّةَ، فَالإِنْسَانُ الَّذِي دَخَلَ إِلَى المَشْهَدِ مَحْمُولًا عَلَى أَكْتَافِ غَيْرِهِ، خَرَجَ مِنْهُ حَامِلًا مَا كَانَ يَحْمِلُهُ. وَهٰذَا هُوَ السِّرُّ العَظِيمُ فِي عَمَلِ المَسِيحِ: إِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَنْزِعَ عَنِ الإِنْسَانِ ثِقْلَهُ، بَلْ يُحَوِّلُ هٰذَا الثِّقْلَ نَفْسَهُ إِلَى شَهَادَةٍ. فَالسَّرِيرُ الَّذِي كَانَ عَلَامَةَ عَجْزٍ صَارَ عَلَامَةَ انْتِصَارٍ، وَالمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الإِنْسَانُ أَسِيرًا لِضَعْفِهِ، أَصْبَحَ بَعْدَ لِقَاءِ المَسِيحِ مَوْضِعَ إِعْلَانٍ عَنْ نِعْمَةٍ أَعَادَتْ خَلْقَهُ مِنَ الدَّاخِلِ. وَكَأَنَّ الإِنْجِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللهَ لَا يَمْحُو تَارِيخَ الإِنْسَانِ، بَلْ يُفَدِّيهِ؛ وَلَا يَكْسِرُ مَاضِيَهُ، بَلْ يُدْخِلُهُ فِي مَجْدِ التَّحَوُّلِ.
إِنَّ بَيْتَ كَفْرَنَاحُومَ فِي هٰذَا المَشْهَدِ لَمْ يَعُدْ بَيْتًا عَادِيًّا، بَلْ أَصْبَحَ أَيْقُونَةً لِلعَالَمِ كُلِّهِ. فَفِيهِ جُمُوعٌ تَقِفُ قُرْبَ القُدْسِ وَلَكِنَّهَا لَا تَفْهَمُهُ، وَفِيهِ كَتَبَةٌ يَعْرِفُونَ الحَرْفَ وَلَكِنَّهُمْ يَعْجَزُونَ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى السِّرِّ، وَفِيهِ رِفَاقٌ مَجْهُولُونَ أَظْهَرُوا مِنَ الإِيمَانِ مَا لَمْ تُظْهِرْهُ الجُمُوعُ كُلُّهَا، وَفِيهِ مَخْلَعٌ صَارَ بِلَا كَلَامٍ تَفْسِيرًا حَيًّا لِمَا يَفْعَلُهُ اللهُ فِي الإِنْسَانِ. وَكَأَنَّ النَّصَّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الخَلَاصَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي ضَجِيجِ القُرْبِ الظَّاهِرِيِّ مِنَ الأُمُورِ المُقَدَّسَةِ، بَلْ فِي الإِيمَانِ الَّذِي يَفْتَحُ سَقْفَ العَادِيِّ لِيَبْلُغَ إِلَى حُضُورِ اللهِ.
وَمَا أَشَدَّ حَاجَتَنَا اليَوْمَ إِلَى هٰذَا الإِنْجِيلِ. فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْدُو قَائِمًا وَهُوَ فِي الدَّاخِلِ مَخْلَعٌ، وَكَمْ مِنْ جَسَدٍ يَتَحَرَّكُ وَقَلْبٍ مَشْلُولٍ، وَكَمْ مِنْ حُضُورٍ دِينِيٍّ كَثِيفٍ يَحْجُبُ الطَّرِيقَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْتَحُهُ. إِنَّ المَخْلَعَ لَيْسَ شَخْصًا مِنَ المَاضِي فَقَطْ، بَلْ هُوَ صُورَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ أَعْجَزَتْهُ جِرَاحُهُ، وَأَثْقَلَتْهُ خَطِيئَتُهُ، وَأَغْلَقَتِ الجُمُوعُ فِي وَجْهِهِ الدُّخُولَ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ أَمَامَ يَسُوعَ. وَالمَسِيحُ أَيْضًا لَيْسَ فِي هٰذَا النَّصِّ طَبِيبًا عَابِرًا يُصْلِحُ عُطْلًا جَسَدِيًّا، بَلْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي لَهُ عَلَى الأَرْضِ سُلْطَانٌ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا، أَيْ أَنْ يُعِيدَ تَرْتِيبَ الكِيَانِ الإِنْسَانِيِّ مِنْ أَسَاسِهِ.
لِذٰلِكَ فَإِنَّ جَمَالَ هٰذَا النَّصِّ لَا يَكْمُنُ فِي المُعْجِزَةِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي الكَشْفِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ. فَفِي وَقْتٍ كَانَ الجَمِيعُ يَنْتَظِرُ فِعْلًا مَرْئِيًّا، بَدَأَ هُوَ بِكَلِمَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ. وَفِي وَقْتٍ كَانَتِ الأَعْيُنُ مُنْشَغِلَةً بِالجَسَدِ المُمْتَدِّ عَلَى السَّرِيرِ، كَانَ هُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الجَسَدِ. وَفِي وَقْتٍ كَانَ الكَتَبَةُ يَحْسِبُونَ حُدُودَ المُمْكِنِ وَالمَمْنُوعِ، كَانَ هُوَ يُظْهِرُ أَنَّ اللهَ قَدْ دَخَلَ التَّارِيخَ لَا لِيُرَاقِبَ انْكِسَارَ الإِنْسَانِ، بَلْ لِيَرْفَعَهُ.
هُنَا يَلْتَقِي السَّقْفُ المَفْتُوحُ مَعَ السَّمَاءِ المَشْقُوقَةِ، وَيَلْتَقِي عَجْزُ الإِنْسَانِ مَعَ اقْتِدَارِ النِّعْمَةِ، وَتَلْتَقِي دُمُوعُ الأَرْضِ مَعَ رَحْمَةِ السَّمَاءِ. فَلَمْ يَعُدِ الفَاصِلُ بَيْنَ فَوْقَ وَتَحْتَ مَانِعًا بَعْدَ أَنْ حَضَرَ المَسِيحُ. وَمِنْ هُنَا تَصِيرُ القِصَّةُ إِعْلَانًا مُسْتَمِرًّا لِكُلِّ زَمَانٍ، أَنَّ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الإِنْسَانِ يَصِيرُ مُمْكِنًا فِي اللِّقَاءِ بِالرَّبِّ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ المَسْدُودَ يُفْتَحُ بِالإِيمَانِ، وَأَنَّ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ الأَقْدَامُ تُتِمُّهُ القُلُوبُ المُؤْمِنَةُ.
إِنَّ أَعْظَمَ مَا فِي هٰذِهِ القِصَّةِ أَنَّهَا تُعَلِّمُنَا أَنَّ اللهَ لَا يُخَاطِبُ الإِنْسَانَ مِنْ جُرْحِهِ فَقَطْ، بَلْ مِنْ كَرَامَتِهِ أَيْضًا. لِذٰلِكَ قَالَ لَهُ: «يَا ابْنِي». فَقَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَقُومَ، أَعْلَنَ لَهُ مَنْ هُوَ. وَقَبْلَ أَنْ يُعِيدَ إِلَيْهِ الحَرَكَةَ، أَعَادَ إِلَيْهِ الِانْتِمَاءَ. وَهُنَا يَتَجَلَّى سِرُّ الإِنْجِيلِ كُلِّهِ، فَاللهُ لَا يَبْنِي خَلَاصَهُ عَلَى إِذْلَالِ الإِنْسَانِ، بَلْ عَلَى اِسْتِعَادَتِهِ؛ وَلَا يُقِيمُهُ بِالقَهْرِ، بَلْ بِالحُبِّ؛ وَلَا يَرُدُّهُ إِلَى الحَيَاةِ كَعَبْدٍ نَجَا، بَلْ كَابْنٍ وُجِدَ مِنْ جَدِيدٍ.
وَإِذَا كَانَ المَخْلَعُ قَدْ خَرَجَ مِنَ البَيْتِ حَامِلًا سَرِيرَهُ، فَإِنَّ النَّصَّ يَدْعُونَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ حَامِلِينَ حَقِيقَتَنَا الجَدِيدَةَ. أَنْ نَخْرُجَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ المَغْفِرَةَ لَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَةً، بَلْ وِلَادَةٌ أُخْرَى؛ وَأَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ فِكْرَةً تُقَالُ، بَلْ سَقْفًا يُفْتَحُ؛ وَأَنَّ الكَنِيسَةَ لَيْسَتْ جُمْهُورًا يَمْلَأُ المَكَانَ، بَلْ أَكْتَافًا تَحْمِلُ المُتْعَبِينَ إِلَى يَسُوعَ؛ وَأَنَّ المَسِيحَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ يُفَسِّرُ اللهَ، بَلْ هُوَ الحُضُورُ الإِلٰهِيُّ الَّذِي يَمْلِكُ أَنْ يَقُولَ لِلمُنْكَسِرِ: قُمْ.
لِذٰلِكَ تَبْقَى هٰذِهِ الحَادِثَةُ مِنْ أَعْمَقِ بشائر الرَّجَاءِ فِي الإِنْجِيلِ. فَمَهْمَا بَلَغَ عَجْزُ الإِنْسَانِ، لَيْسَ هُوَ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ. وَمَهْمَا تَكَاثَفَتِ الجُمُوعُ وَأُغْلِقَتِ الطُّرُقُ، يَبْقَى لِلإِيمَانِ قُدْرَةُ فَتْحِ السُّقُوفِ. وَمَهْمَا تَرَاكَمَتِ الخَطَايَا وَثَقُلَتِ السِّنُونَ عَلَى القَلْبِ، تَبْقَى كَلِمَةُ المَسِيحِ أَقْوَى مِنْ كُلِّ شَلَلٍ، وَأَعْمَقَ مِنْ كُلِّ جُرْحٍ، وَأَبْعَدَ مِنْ كُلِّ يَأْسٍ. فَهُوَ الَّذِي يَدْعُو، وَيَغْفِرُ، وَيُقِيمُ، وَيُرْسِلُ. وَفِي نُورِهِ يَفْهَمُ الإِنْسَانُ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِيَبْقَى مَطْرُوحًا عَلَى فِرَاشِ العَجْزِ، بَلْ لِيَقُومَ، وَلِيَحْمِلَ شَهَادَةَ النِّعْمَةِ، وَلِيَمْشِي فِي جِدَّةِ الحَيَاةِ.
فَالمَخْلَعُ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ السَّقْفِ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا وَاحِدًا فَقَطْ، بَلْ كَانَ الإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا وَهِيَ تَبْحَثُ عَنْ مَنْفَذٍ نَحْوَ الرَّحْمَةِ. وَيَسُوعُ الَّذِي كَانَ فِي البَيْتِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُعَلِّمٍ فِي وَسَطِ الجُمُوعِ، بَلْ كَانَ البَابَ الَّذِي فُتِحَ لِلأَرْضِ عَلَى السَّمَاءِ. وَمِنْ ثَمَّ تَبْقَى القِصَّةُ كُلُّهَا نِشِيدًا لاهُوتِيًّا عَظِيمًا يَقُولُ لِكُلِّ قَلْبٍ مُتْعَبٍ، لَا تَخَفْ مِنْ شَلَلِكَ، بَلْ اِبْحَثْ عَنْ وَجْهِ المَسِيحِ؛ وَلَا تَسْتَسْلِمْ لِلطُّرُقِ المُغْلَقَةِ، بَلِ اِرْفَعْ إِيمَانَكَ فَوْقَهَا؛ لِأَنَّ الرَّبَّ الَّذِي غَفَرَ أَمْسِ، لَا يَزَالُ إِلَى اليَوْمِ يَقُولُ لِكُلِّ مَخْلَعٍ فِي الجَسَدِ أَوِ الرُّوحِ: «يَا ابْنِي… قُمْ».

تعليقات
إرسال تعليق