هل تعلم أن المرأة الأكثر تعرّضًا للحكم والإدانة في سفر التكوين
هل تعلم أن المرأة الأكثر تعرّضًا للحكم والإدانة في سفر التكوين كانت المرأة الوحيدة التي استخدمها الله لكشف نفاق أحد الآباء؟
سرّ «تْسَادْقَاه مِمِّينِي»…
على مدى قرون، كانت قصة ثامار تُقرأ بصوت خافت.
كثيرون ينظرون إليها بتحيّز.
يصنّفونها.
ويدينونها بسبب القرار اليائس الذي اتخذته عند مفترق طرق بين الحياة والموت.
لكن الكتاب المقدس لا يُخفيها.
بل على العكس، يُبرزها بوضوح كجزء أساسي من نسل المسيح.
لماذا؟
لأن هذه ليست قصة إغواء.
بل هي قصة إساءة استخدام للسلطة، وظلم عميق، وإله لا يحتمل النفاق.
ثِقَلُ وَعْدٍ مَكْسُور
كانت ثامار أرملة.
مرتين.
وفي سياق الشرق الأوسط القديم، كانت الأرملة التي بلا أولاد شبه غير مرئية.
لم يكن لها ميراث.
ولا معيل.
ولا صوت.
وكان رجاؤها القانوني الوحيد للبقاء والحصول على مستقبل يعتمد على حميها، الأب يهوذا.
فبحسب شريعة الزواج الوليّ (الليفيراتي)، كان يهوذا مُلزَمًا بأن يحميها ويعطيها ابنه الأصغر زوجًا لها ليُقيم اسم العائلة (تكوين ٣٨: ٨-١١).
لكن يهوذا خاف.
وظنّ أن المشكلة في المرأة لا في أبنائه.
وباستخدام سلطته، خدعها.
فأعادها إلى بيت أبيها، وألزمها أن تبقى في ثياب الترمل، مربوطة بوعدٍ كاذب لم يكن ينوي الوفاء به أبدًا (تكوين ٣٨: ١١).
أما هو فواصل حياته.
وازدهر.
وكان حرًا.
بينما كانت هي تذبل في الوحدة، عالقة في نظام أسكت صوتها، وتدفع ثمن قرارات غيرها.
مَحْكَمَةُ الْمُنَافِقِينَ
وبعد سنوات، سئمت ثامار انتظار عدالة حرمها منها الإنسان.
فنزعت ثياب ترملها واتخذت قرارًا جريئًا، مخاطرةً بحياتها، لكي تُجبر يهوذا على مواجهة مسؤوليته (تكوين ٣٨: ١٢-١٩).
وعندما بلغ خبر حمل ثامار إلى مسامع يهوذا، كان رد فعله صادمًا.
فمن موقع تفوقه الأخلاقي الظاهري، ودون تردد، أصدر الحكم القاسي:
«أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ» (تكوين ٣٨: ٢٤).
ما أسهل على بعض الناس أن يحكموا بالنار على الآخرين بينما يُخفون ظلامهم الخاص.
وما أسرع التدين الشكلي إلى إدانة نتائج اليأس دون أن يسأل عمّن تسبب في الجرح أصلًا.
سِرُّ «تْسَادْقَاه مِمِّينِي»
وبينما كانوا يسوقونها لتنفيذ الحكم، لم تصرخ ثامار.
ولم تتوسل.
ولم تُجادل الجموع.
بل أرسلت إلى حميها ثلاثة أشياء: الخاتم، والعصابة، والعصا.
متعلقاته الشخصية.
وأدلة المُذنب الحقيقي (تكوين ٣٨: ٢٥).
وفي تلك اللحظة بالذات، يأخذ السرد منعطفًا يذهل الجميع.
فأمام المدينة كلها، انحنى الأب القوي واعترف قائلاً:
«هِيَ أَبَرُّ مِنِّي» (تكوين ٣٨: ٢٦).
وهذه العبارة تترجم النص العبري:
צָדְקָה מִמֶּנִּי
(تْسَادْقَاه مِمِّينِي)
ومعناها:
«هي أبرّ مني» أو «هي أحقّ مني» أو «هي في موضع الحق أكثر مني».
فلم يكن أمام يهوذا سوى أن يعترف علنًا:
«هِيَ أَبَرُّ مِنِّي، لأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ ابْنِي» (تكوين ٣٨: ٢٦).
إنها لحظة سقوط الأقنعة.
لحظة يعترف فيها صاحب السلطة بأن المرأة التي أدانها كانت أكثر أمانة منه تجاه الواجب الذي أهمله.
فِدَاءُ الْمُهَمَّشِينَ
دبّر الله أن الرجل نفسه الذي أدانها ضمنيًا، هو الذي يبرّئها علنًا.
لم تمت ثامار في النار.
بل انتقلت من أرملة منسية إلى أمّ لسلالة الملوك، من سبط يهوذا نفسه.
وقد ذُكر اسمها إلى الأبد في نسب الرب يسوع المسيح:
«وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ» (متى ١: ٣).
هَذَا مِرْآةٌ لِحَيَاتِكَ
ربما تقرأ هذا اليوم وتشعر أنك مثل ثامار.
ربما أسكتك شخص يملك سلطة أو نفوذًا أو صوتًا أعلى من صوتك.
وربما وُعِدتَ كثيرًا ثم تُركتَ تنتظر.
وربما حُكم عليك بقسوة بسبب ردود أفعالك، بينما تجاهل الآخرون الظلم أو الضغط أو الإساءة التي دفعتك إلى تلك الزاوية.
لكن اسمع هذه الحقيقة:
الله لا ينسى.
«لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ عَلَى كُلِّ طُرُقِ الإِنْسَانِ، وَهُوَ يَرَى جَمِيعَ خُطُوَاتِهِ» (أيوب ٣٤: ٢١).
وألمك ليس نهاية القصة.
ولست بحاجة إلى أن تُهدر حياتك في إثبات براءتك أو في السعي للانتقام بنفسك.
فالله يعرف متى وكيف يُظهر الحق.
وقد يجعل الذين أشاروا إليك بأصابع الاتهام يعترفون يومًا باستقامتك.
لأن ما يحاول الناس دفنه تحت العار،
يرفعه الله بقصدٍ وردّ اعتبارٍ ومجدٍ له.
غير أن الرسالة الأهم في القصة ل
تمجيد تصرفات البشر، بل إظهار أن الله يرى الظلم، ويكشف النفاق، ويُتمّم مقاصده رغم ضعف الإنسان وخطاياه.
فكما اضطر يهوذا أن يقول:
«هِيَ أَبَرُّ مِنِّي» (تكوين ٣٨: ٢٦)،
كذلك يبقى الحق ظاهرًا في الوقت الذي يعيّنه الله، مهما طال انتظارة

تعليقات
إرسال تعليق